ابن حمدون
173
التذكرة الحمدونية
فغضب المأمون وأنكر على محمد ما قال ، وما كان منه من سوء الأدب بحضرته ، ونهض عن فرشه ، ونهض الجلساء فخرجوا . فأراد محمد أن ينصرف ، [ فمنعه صاحب المصلى وقال علي بن صالح ] : أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين ونهض على الحال التي رأيت ، ثم تنصرف بغير إذن منه ؟ اجلس حتى نعرف رأيه فيك ، وأمر بأن يحبس . ومكث المأمون ساعة ثم خرج ، فجلس على سريره ، وأمر بالجلساء فردّوا إليه ، فدخل إليه عليّ بن صالح ، فعرّفه ما كان من قول محمد والانصراف ، وما كان من منعه إيّاه ، فقال : دعه ينصرف إلى لعنة اللَّه . فانصرف . وقال المأمون لجلسائه : أتدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت ؟ قالوا : لا ، قال : إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما [ كان لم آمن فلتات الغضب وله بنا حرمة ] فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ حتى سكن غضبي . ومضى محمد من وجهه إلى طاهر بن الحسين ، فسأله الركوب إلى المأمون وأن يستوهبه جرمه ، فقال له طاهر : ليس هذا من أوقاتي ، وقد كتب إليّ خليفتي في الدار أنّه قد دعا بالجلساء . فقال محمد : أكره أن أبيت ليلة وأمير المؤمنين عليّ ساخط . فلم يزل به حتى ركب طاهر معه ، فأذن له فدخل ومجير الخادم واقف على يمين المأمون . فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا كان بين يديه ، فمسح بين عينيه مرّتين أو ثلاثا إلى أن وصل إليه [ وحرك شفتيه بشيء أنكره طاهر ، ثم دنا ] فسلَّم ، فردّ السلام وأمره بالجلوس ، فجلس في موضعه ، فسأله عن مجيئه في غير وقته ، فعرّفه الخبر واستوهبه ذنب محمد ، فوهبه له . فانصرف ، وعرّف محمّدا ذلك ، ثم دعا بهارون بن جعونه [ 1 ] ، وكان شيخا خراسانيّا داهية ثقة عنده ، فذكر له فعل المأمون ، وقال له : الق كاتب مجير الخادم ، والطف به ، وتضمن له عشرة آلاف درهم على